محمود محمود الغراب
86
الخيال عالم البرزخ والمثال من كلام الشيخ الأكبر
فالرحيم برحمته ينتقم من الغضب ، وهو شديد البطش به ، مذل له ، مانع بحقيقته ، فيبقى الحكم في تعارض الأسماء بالنسب ، والخلق بالرحمة مغمورون ، فلا يزال حكم الأسماء في تعارضها لا فينا ، فافهم فإنه علم غريب دقيق لا يشعر به ، بل الناس في عماية عنه ، وما منهم إلا من لو قلت له : ترضى لنفسك أن يحكم عليك ما يسوءك من هذه الأسماء ؟ لقال : لا ؛ ويجعل حكم ذلك الاسم الذي يسوء في حق غيره ، فهذا من أجهل الناس بالخلق ، وهو بالحق أجهل ، فأفاد هذا الشهود ، بقاء أحكام الأسماء في الأسماء لا فينا ، وهي نسب تتضاد بحقائقها ، فلا تجتمع أبدا ، ويبسط اللّه رحمته على عباده حيث كانوا ، فالوجود كله رحمة « 1 » ، ثم رحلت عنه بعد ما دعا لي ، فنزلت بعيسى عليه السلام في السماء الثانية فوجدت عنده ابن خالته يحيى عليهما السلام ، فكانت الحياة الحيوانية ، ولو كان « 2 » يحيى ابن خالته لكان روحا ، ولما كانت الحياة الحيوانية ملازمة للروح ، وجدت يحيى عند روح اللّه عيسى ، لأن الروح حي بلا شك ، وما كل حي روح ، فسلمت عليهما ، فقلت له : بماذا زدت علينا حتى سماك اللّه بالروح المضاف إلى اللّه « 3 » ؟ فقال : ألم تر إلى من وهبني لأمي ؟ ففهمت ما قال ، فقال لي : لولا هذا ما أحييت الموتى ، فقلت له : فقد رأينا من أحيا الموتى ممن لم تكن نشأته كنشأتك ، فقال : ما أحيا الموتى من أحياهم إلا بقدر ما ورثه عني ، فلم يقم في ذلك مقامي ، كما لم أقم أنا مقام من وهبني في إحياء الموتى ، فإن الذي وهبني - يعني جبريل - ما يطأ موضعا إلا حيي ذلك الموضع بوطأته ، وأنا ليس كذلك ، بل حظنا أن نقيم الصور بالوطء خاصة ، والروح الكل يتولى أرواح تلك الصور ، وما يطؤه الروح الذي وهبني ، هو يعطي الحياة في صورة ما أظهره الوطء « 4 » ، فاعلم ذلك ، ثم رددت وجهي إلى
--> ( 1 ) راجع كتابنا ترجمة حياة الشيخ - شمول الرحمة وعدم سرمدة العذاب - ص 230 طبعة أولى - ص 226 طبعة ثانية . ( 2 ) المعنى لو كان يحيى بدل عيسى لكان روحا مثله . ( 3 ) يشير إلى قوله تعالى في عيسى عليه السلام روح اللّه وكلمته . ( 4 ) يشير إلى قول السامري فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ يعني جبريل فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي فخار العجل بإلقاء أثر جبريل فيه .